الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

حين تلتقي القلوب


حين تلتقي القلوب ..

كان يجلس على ربوةٍ عالية من ربا أدود الجميلة .. رنا ببصره بعيداً نحو تلك الوديان التي تكسوها الأشجار الخضراء بأبهى حلة وأجمل زينة .. لقد عاد به ذهنه إلى الصف الثالث الإعدادي عندما أحب ولأول مرة في حياته وعمره حينذاك خمسة عشر سنة ..
كان يعشقها حتى النخاع ..لقد سلبت لبه وعقله وفؤاده .. كان يفكر بها جل وقته .. يتخيل صورتها الجميلة أمامه في كل مكان .. تبتسم إليه ويبتسم لها بأعذب الابتسامات ..
ورغم كل هذا الحب لم يرها مطلقاً وإنما سمع وصفها فقط .. كانت في الصف الثاني الإعدادي وهي في مثل سنه .. إنها تلك الفتاة الفاتنة التي قلما يوجد مثل جمالها وجاذبيتها ..
- مروان ماذا تفعل هنا ؟
أرتبك في شدة فقد كان شارد الذهن فأدار رأسه بحركة مباغتة نحو أخيه قائلاً :
- بسام ماذا هناك ؟
أبتسم بسام وقال بصوت يحمل شيئاً من السخرية :
- أما زلت تفكر بها يا أخي ؟
احتقن وجه مروان بدماء الخجل وهو يقول :
- ماذا تعني يا بسام ؟
جلس بسام إلى جواره قائلاً وهو يغمز بإحدى عينيه :
- أعني ندا تلك الفتاة التي سلبت لبك و ...
قاطعه مروان بقوله :
- اصمت أيها الـ......
صاح بسام يستوقفه :
- لا يا مروان لن أقبل سباباً واحداً .
ضحك مروان في مرح وواجه شقيقه قائلاً :
- ما رأيك لو قلت لك أني نسيتها .
رفع بسام إحدى حاجبيه قائلاً :
- حقاً ! لقد نسيتها ؟ !
قال مروان وهو يرنو ببصره بعيداً :
- وماذا في ذلك ؟
نهض بسام من مكانه ضاحكاً وهو يقول لشقيقه :
- سأتركك مع الذكريات .
نظر مروان إليه في حدة ثم قال مبتسماً :
- يا لك من ثعلب ماكر .
وانفجر الاثنان في الضحك بمرحٍ أخوي قبل أن يغادر بسام تلك الربوة العالية التي يجلس عليها مروان عادةً .

******************************************
قال مروان لنفسه :
- هل نسيتها فعلاً ؟
وانحفرت كلمته تلك في كتاب القدر .. نعم من يدري .. ربما لم ينسها .. لقد أحبها كما لم يحب فتاة من قبل .. كانت مثالاً لكل الصفات التي يتمناها في فتاة.. كان يفكر بها حتى عند مراجعة دروسه .. وكم نقش اسمها الجميل على صفحات دفاتره وكتبه .. وكم ردد اسمها صدى قلبه المشتاق إلى رؤيتها ..
فعلاً قد يحب المرء دون أن يرى حبيبته ولا غرابة في ذلك .. بل قد يهيم القلب وتتأجج العواطف وتشتعل المشاعر ويهتز الوجدان لوصف عابر قد لا ينتبه الواصف ما فعله هذا الوصف في قلب هذا المسكين .. وهكذا كان حال مروان ..
كان مروان يمر بساحة مدرسته (الجهاد ) التي ضمت بين قلبين عاشقين .. قلبه هو وقلب حبيبته ندا .. كان يتمنى لو يراها ولو مرة واحدة ثم يموت .. فهي تجلس هناك في الفصل بين زميلاتها ولكنه سرعان ما يكبله الحياء ويقيده الخجل فيذهب بعيداً متعثراً في خطاه دون أن يراها ..
- أما لهذا العذاب من آخر .
قالها مروان وهو يحاول النوم فلم يستطع .. فقد شلت ندا حواسه وأنهكت قواه .. لقد بدا لكل من يعرفه إنساناً آخر .. شاحب الوجه نحيل الجسد تغطي عينيه سحابة رقيقة من الحزن ..
كم تقلب مروان في فراشه تلك الليلة لكنه لم يستطع النوم وهكذا كان حاله كل ليلة .. فاستسلم لواقعه الأليم ..
كان عقله وفؤاده لا يحمل سوى ثلاثة أحرف فقط هي أحرف اسم حبيبته ندا .. ولكن ما سواه يفعل وقد سلك درب العشاق .. وهل سمع الناس شكوى عاشق قط ؟ !
إن عجلة الزمن تدور والأيام تمضي والأحداث تتلاشى عبر متاهات الأيام إلا ذكرى الحب فإنها تظل فواحة بأطيب العطور .. وهذا مروان لم يكن يدري لعبة القدر .. ما كان ليدري أنه سيعشق .. وهو ذلك الشاب الطموح الذي جمع بين متناقضاتٍ شتى على نحوٍ عجيب و ...

******************************************
آه .. وأخيراً ..
أخيراً رآها .. نعم لقد كانت أول مرة يرى فيها ندا .. وكان القمر يتوسط السماء الصافية .. لقد كان ينتظرها هناك عند تلك الشجرة الخضراء الكبيرة في إحدى الحقول المنثورة في أدود .
كانت تسير وسط الحقول وتتجه نحوه حتى وقفت أمامه تبتسم إليه في دلال .. وقد أستقبلها مروان بلهفة وحب حقيقيين .. وعندما تشابكت أصابعهما كان قلباهما يخفقان في حب وهيام .. وكانت حمرة الخجل تكسو وجهها وهي تغمغم في خفوت شديد :
- كيف حالك ؟
أجابها مروان وهو ما زال يتأمل وجهها الفتان المشرق بالجمال كإشراقة الفجر الجميل تنسدل عليه خصلات من شعرها الفاحم الذي يتدلى على ظهرها كالليل .. قائلاً في هيام :
- كيف حالك أنتِ ؟
لم يجب أحدهما على السؤال وساد بينهما الصمت المطبق .. صمت العشاق البليغ .. بينما راح يتأمل تقاسيم وجهها البديعة .. اهتزت رموش عينيها في خجل وخفضت بصرها إلى الأرض وقد علت حمرة الخجل وجهها فزادته فتنة وجمال .
همس باسمها في خفوت شديد :
- ندا
رفعت عينيها نحوه ببطء وتبادلت العينان أروع آيات الحب والغزل .. وبكل لهفة وشوق عاونها على الجلوس بجواره تحت تلك الشجرة ..
قائلاً بأعذب ابتسامات العالم :
- ما أخبارك ؟
قالت والخجل يقطر من حروف كلماتها :
- أتهمك أخباري إلى هذه الدرجة ؟
حملت عيناه كل معاني العتاب وهو يقول :
- ندا أتشكين في صدق مشاعري نحوك ؟
قالت وهي تتأمل عينيه مباشرة :
- ومن قال ذك ؟ قلبي يحدثني أنك تحـ....
سكتت عند هذه النقطة وقد تلونت وجنتاها بلون وردي جميل وأسبلت عينيها إلى الأرض في حين أحتضن مروان أصابعها الرقيقة بين يديه قائلاً في هيام :
- ندا إنني ....
لاحقته نظراتها فتلعثم في كلامه وارتبك في شدة قائلاً :
- إنني أحبكِ .
تطلعت إليه وقالت في حياء :
- وأنا أحبك أكثر .
أمسك كفيها في رفق وقبلهما في شوق .. ثم جرها إليه وحضنها بقوة .. وانهمرت شفتاه على وجهها بالقبل كانهمار المطر على أرض جدباء .. واستسلمت بين يدي حبيبها .. وتلاقت نبضات قلوبهما في وله بالغ ..
- ندا أنا اليوم أسعد من في الكون .. سأظل أحبكِ ما دمتُ حياً .. لقد نما حبكِ بنمو جسدي .. أحبكِ من كل قلبي .
ترقرقت عيناها بدموع السعادة وهي تنام بين ذراعيه كطفلة بريئة :
- سأنتظركَ مهما طالت الأيام .. وباعدت بيننا الآلام .
ثم أردفت في حماس وهي تهتف :
- لن تستطيع أي قوة في الأرض أن تفرق بين قلبينا .. كانت تنطق كلمتها الأخيرة وهي واثقة كل الثقة أنهما لن يفترقا عن بعضيهما أبداً مهما كانت الأسباب ..
ولكن !
من يدري ماذا يخبئ لهما القدر ؟ !



******************************************
كان الأستاذ يشرح الدرس حين بدا مروان شارداً بعيداً كل البعد عن الفصل المزدحم بالطلاب .. لقد كان يفكر بها .. صحيح أن جسده كان في الفصل لكن روحه وعقله كانا هناك .. عند من يحب .. عند ندا
- مروان أين وصلنا بالدرس ؟
قالها الأستاذ في حدة وهو يلاحظ شروده .
- ماذا قلتَ يا أستاذ ؟
- قلتُ ما هي آخر كلمة كانت في الدرس .
حاول أن يتخلص من السؤال وهو يقول ساخراً :
- لم تقلْ شيئاً يا أستاذ .
وانفجر الفصل كله بالضحك وأحس الأستاذ بالحرج الشديد وقد قرر في نفسه أن يتحاشى هذا الفتى الساخر قدر الإمكان .

******************************************
جلس مروان يكتب أولى رسائله إليها .. وتلقتها هي بكل الترحاب .. وهكذا بدأت المراسلات بينهم .. لقد كتب ثانية وثالثة ورابعة و.....
كان أسلوبه الجميل في الكتابة يخلب لبها .. ومن المعروف أن عاطفة المرأة جياشة .. وندا تلك الفتاة التي لم تتجاوز منتصف سن المراهقة بعد .. كانت مأسورة برسائله .. كانت تبادله حباً بحب .. وصدقاً بصدق .. والحب كما قال أحد الحكماء : أمانة يجب أن يتبادل حملها قلبان ..

كان عمر حبهما منذ أن بدأت المراسلة بينهما سنتان فقد أصبح مروان في الصف الأول الثانوي وكانت تجمعهما مدرسة واحدة .. مدرسة الجهاد .. وكان يجد حينها في نفسه شجاعة كبيرة فقد كان يذهب لرؤيتها كل يوم بعد إن كان لا يجرؤ في البداية من الاقتراب من نافذة الفصل الذي تجلس فيه ندا .. ورغم صغر سنهما وشدة حبهما إلا أن عقلهما كان أرجح من أن تحدث بينهما تصرفات طائشة .. كان جل ما بينهما نظرات بريئة وابتسامات عاطفية ورسائل غرامية ولقاءات عابرة ..
وهكذا ..
رقص الحب طرباً ...

******************************************
في تلك الليلة حاولت ندا أن تنام لكنها لم تستطع .. لقد كان عقلها عند حبيبها .. عند مروان
كانت تفكر به كل وقتها .. تتخيله أمامها .. تخاطبه ويخاطبها .. ويبتسم كل منهما للآخر .. كم كانت تود لو يجمع الدهر بينهما تحت سقف واحد .. وتتنفس ريح صدره .. وتغيب عن العالم بين أحضانه , ولكن !
حينها لم تكن تدري أننا لا نُخضِع القدر لعواطفنا ومشاعرنا , وإنما القدر هو الذي يُخضِع عواطفنا ومشاعرنا ..
كانت عباراته الجميلة تملأ مخيلتها وتهز مشاعرها من الداخل :
يا قطرة من الندى
يا فلقة من القمر
يا نسمةً من الشذى
تنفستْ عند السَحَرْ
حاملةَ في ردنها أطيبَ أنفاسَ الزَهَرْ

نهضت من فراشها وللمرة الخامسة وهي تعيد قراءة رسائله من شدة الشوق والحنين إليه وهي تقرأ سطور رسالته ..
عادت تقرأ أولى رسائله إليها وقد وقفت كثيراً عند قوله لها :
بعثتُ إليكِ يا زين الملاح
على ورقِ يطيرُ مع الرياح
ولو أني أطيرُ لطرتُ شوقاً
وكيف يطيرُ مقصوص الجناح ؟
توقفتْ عند هذه اللحظة وأسرعتْ بإخفاء الرسائل حين سمعت طرقات قوية على باب غرفتها ..
دلف أخوها إلى الداخل وصاح بها غاضباً :
- ماذا تفعلي إلى الآن ؟
ارتبكت في شدة وهي تقول :
- كنتُ أراجع دروسي .
قال ساخراً :
- ومنذ متى تحبين المراجعة ؟
أحمر وجهها خجلاً وهي تقول :
- لماذا تُكَذِبني و.......
قاطعها في حدة :
- كفى ! أكملي مراجعتك أيتها الذكية .
ثم خرج من الغرفة مسرعاً ..
ولكن !..
بعد أن ترك في غرفتها ورقة .. دون تلحظه ندا .
كان يعلم في قرارة نفسه وبكل تأكيد أنها تحب مروان بل تعشقه ..
ولذلك فليسقطَ هذا الحب ..
وهنا كانت المؤامرة .. التي حبكها بعناية فائقة يحسده إبليس عليها .
ولعبت تلك الورقة التي خلفها في غرفتها دوراً في تلك المؤامرة ..
وضحك الشيطان ملؤ شدقيه حينها ..
ونام قريراً مطمئناً تلك الليلة ..

******************************************
كان مروان يحس بقلقِ شديد تلك الليلة لا يدري مصدره .. كان يشعر بأن هناك شيئاً ما سيحدث .. كان يعلم في قرار نفسه أن كارثة ما ستحل به .. لكنه لم يعلم ما هي هذه الكارثة ! .. وأنى له أن يعلم ما هي فالله وحده عالم الغيب .. وهو يعلم السر وأخفى .

******************************************
كانت ندا تقرأ تلك الرسالة وعلى الرغم منها فقد انطلقت الدموع من عينيها البريئتين .. دموع الحزن والقهر والألم .. لم تكن لتتصور الأمر ..إنها نفس الرسالة التي أرسلها مروان إليها .. ونفس الخط تماماً مع الفارق الوحيد أن الاسم ليس اسمها .. لقد كان اسم فتاة أخرى .. لم تكن لتتصور أن مروان يخدعها ويلعب بها .. لقد أوهمها بأنه يحبها .. وجعلها تتعلق به كتعلق الطفل بأمه .. وتهيم به في صحوتها وغفوتها حتى لم تعد ترى في الكون سواه ..
ولكن ..
لماذا ؟
لماذا فعل بها كل هذا ؟
كانت تلك الكلمات تدور في رأسها .. فبكت بحرارة وحرقة شديدة وتركت دموعها الحزينة تسيل على خديها في غزارة .. وأجهشت بالبكاء والنحيب حتى شعرت بأن روحها ستخرج من مكانها مع دموعها الحارقة .. وقلبها المجروح يكاد ينفطر من الألم ..
شعرت بالدوار وهي تضرب بيديها على صدرها :
- لماذا خدعتني يا مروان ؟
- لماذا أوهمتني بالحب ؟
- لماذا كذبت عليّ ؟
- لماذا ؟
- لماذا ؟

******************************************
" انسها تماماً يا مروان "
رنَّت تلك الكلمة في أذن مروان بعد أن علم بتلك المؤامرة الدنيئة وفي عينيه تجمدت قطرات دمع حملت كل مرارته وعذابه وألمه .. وانهار جسده تماماً على فراشه ..
- مستحيل أن يحدث ذلك .
- مستحيل .
- لقد فعلها الأوغاد .. وحبكوا مؤامرتهم بعناية وإتقان .
- كيف فعلوا ذلك ؟
- كيف وجدوا رسالتي إليها ؟ وقاموا بعمل نسخة طبق الأصل منها باسم فتاة أخرى .. حتى أبدو لـ ندا أني مخادع كاذب .
- يا للمكر السيئ .
- الآن لا يمكن أن تصدقني مطلقاً فأنا أعرف غيرتها الشديدة .
- لقد خسرتها للأبد .
وبكل الثورة الغاضبة في أعماقه صرخ :
- أيها الليل الطويل المليء بالأحزان .. أما لك من آخر ؟ !
وهكذا انتهت قصة حب جميل بسبب مؤامرة دنيئة ..
لقد كانت مؤامرة ضد الحب ..
كانت مؤامرة ضد قلبين عاشقين جمعهما القدر يوماً ..
ولكن !
حين تلتقي القلوب ..
تعمل ذئاب البشر جاهدة على تفريقهما ..
إلا أن يتدخل القدر دون ذلك ..





يوم الثلاثاء
الموافق 29-07-1996 م
 الساعة 3:30 عصراً

0 التعليقات: