الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

إبتسـامةُ القَـدَرْ


إبتسـامةُ القَـدَرْ
(1)

حين يبتسم القمر إبتسامة مضيئة وترنو إليه تلك النجوم اللامعة بإكبار .. حين تتراقص الأغصان وتعبث بها الرياح المحملة بشذى أريج الأزهار ..
حين تتمايل أشجار الورد فرحاً وطرباً .. حين تتزين الطبيعة بأجمل زينة .. حين تتجلى فتنة الطبيعة وتخلب اللب وتأسر القلب ..
حين ذلك كله تجيش المشاعر المكبوتة , وتفيض الأحاسيس المدفونة , ويفيض الشوق من العيون الصافية , وتضطرب العاطفة بين الجوارح ..
وهذا كان الحال مع صديقين جمعتهما الأيام ..
إنهما (مروان) و (عماد) ...

مضت الدقائق صامتة وهما يتأملان ذلك المنظر البديع في سكون الليل الذي بددتْ ظلمتَه الموحشة إبتسـامةُ القمـرُ المشرقة وهو يرسل أشعته الفضية على تلك المناطق الساحرة الممتدة من (وادي الضباب)..
وفجاة قطع مروان حبالَ الصمت حين قال :
-
ما أجمل الطبيعة يا عماد .
-
حقاً إنها لوحة فاتنة تعجز عن تقليدها أبدع الريشات .. ذلك أن الله هو مصورها البديع .
أجابه مروان وهو ما زال يتأمل هذا المنظر الفتان قائلاً :
-
حقاً .. ولذلك انظر إلى البشرية اليوم كيف تتخبط وسط المناهج الأرضية والقوانين الوضعية .. إنهم بعيدون عن الله .
-
لكن مهما أبتعدت البشرية عن الله فستعود إليه يوماً لأن المستقبل للإسلام .
بدت زفرة حارة خرجت من صدر مروان وهو يقول في هدوء :
-
الحمد لله الذي جعلنا ممن يحملون هم هذا الدين .
أبتسم عماد في ثقة وهو يقول :
-
الحمد لله .
ثم أردف وهو يتأمل الطبيعة :
-
يجب أن يسيطر هذا الهم على كل همومنا الأخرى ... أليس كذلك ؟
-
أوافقك الرأي .. ولكن هل أفهم من ذلك أن لك هموماً اخرى ؟ !
أبتسم عماد إبتسامة هادئة وهو يقول :
-
بالتأكيد يا عزيزي .
نظر إليه مروان نظرة ذات مغزى وهو يقول :
-
هذا من حقكْ فقد أنهيتَ المرحلة الثانوية ومن المؤكد أن هناك فتاة تداعب خيالك .
ثم لكزه في صدره برفق وهو يقول :
-
أخبرني منذ متى تخفي عني أخبارك ؟
رفع عماد حاجبيه في دهشة وهو يقول مستغرباً :
-
ماذا تقول يا صديقي ؟ أي فتاة تلك التي تتحدث عنها ؟ واي أخبار أخفيها عنك ؟ أنتَ أكثر من يعرف أني لا أفكر في النساء مطلقاً .
ضحك مروان ضحكة صغيرة وهو يقول :
-
هل تعني أنه وحتى الآن لم تجد الملاك الطاهر الذي يحل عليك فجاة في دنياك يا عزيزي ؟
-
بالتأكيد .
-
ولكني أراها مناسبة لك تماماً .. لكأنما خلقها الله لك وحدك من دون الناس .
-
من هي ؟
-
إنها تلك الفتاة التي اسمها هالة.
بدت الدهشة على وجه عماد وهو يقول مستنكراً :
-
صحيح أني سمعتُ عن هذه الفتاة كثيراً , لكني لم أفكر بها مطلقاً .
-
إذاً فكر بها من الآن .
-
لا يامروان ...
قاطعه مروان :
-
ألا تعلم أن المرأة هي النصف الآخر للرجل , ثم إني سأسألك سؤالاً .
-
إسأل ما بدا لك .
-
إذا كنتَ هاوياً لجمع التحف ووجدت تحفة نادرة ماذا كنتَ فاعلاً ؟
-
سأكون أول من يقتنيها بلا تردد .
أبتسم مروان وتألقت عيناه على نحو عجيب وهو يقول :
-
إذاً لا تتردد في أن تكون أول من يطرق بابها .. لا تدعها تفلت من بين يديك يا رجل ؟
حاصرتْ عماد هذه الكلمات اللبقة والأساليب الجميلة فقال بعد صمتٍ ليس بالقصير :
-
معك حق ..
ثم أردف وقد شرد ذهنه بعيداً :
-
ولكني لا اعرفها .
-
ماذا تريد أن تعرف عنها ؟
-
كل شيء .
-
إنها اجمل ما تتصور يا صديقي .. لها بشرة بيضاء ناصعة البياض , وشعر أسود فاحم , هيفاء القد , ممشوقة القوام , ولها عينان جميلتان كعيني المها , وأنف مستقيم يعلو فم كأنه خاتم سليمان .. بصراحة إنها جميلة وساحرة .. جميلة جداً .
ثم أردف يقول :
-
ثم إن هناك ما هو أهم من ذلك كله .
قال عماد في إهتمام وقد أستولى عليه الوصف :
-
ما هو ؟
-
عفافها .. أخلاقها .. شرفها .. تأثرها الشديد بالدين ...
هتف عماد مبهوراً :
-
حقاً يا مروان ؟ أكل هذه الصفات مجتمعة في تلك الفتاة ؟
أجابه مروان في إقتضاب :
-
هذا القليل فقط يا عماد .
ثم أردف :
-
لننصرف الآن .. ولكن لا تنسى أن تدرس هذا الأمر جيداً .
أتْـبَـع عبارته الأخيرة ضحكةً شقتْ سكون اليل وهو يتأمل عماد والذي بدا وكأنه لا يمت إلى وجودنا بصلة ..
إنه الآن يسبح هناك ..
في بحر الأحلام ...
************************************************

(2)

-
مالي أرى الهموم تعلوك يا ولدي ؟
هكذا قالتها أم عماد وهي تدلف إلى غرفة ولدها الذي بدا شارد الذهن شاحب الوجه وهو مستلقي على فراشه ..
كانت نفسيته مرهقة جداً هذه الأيام بعد ان أستبد به ذلك الوصف الذي قتل لذته في الطعام والشراب والمنام ..
إنه يحس بالآم تعصر فؤاده .. ولكن لماذا كل هذا العذاب ؟ .. أما كان من الأفضل أن يعمل على الإسراع في خطبة تلك الفتاة التي أستبدت بعقله ؟ .. نعم لِمَا لا يقدم على ذلك ويدع النتائج على الله ؟ ..
لكن ثمت أشياء كانت تحول بينه وبينها ..
إنه يريد أن يتقدم لخطبتها بعد أن يرى نتيجة جهده في الصف الثالث الثانوي العلمي , وعندما يجد نفسه في الكلية التي طالما داعبتْ خياله المرهف ..
إنها كلية الطب .. حينها فقط لن يتردد في خطبة هالة من أهلها .. نعم هذا هو القرار السليم الذي سيفعله ..
هكذا تدافعت الأفكار في قوة وصمت إلى ذهن عماد وهو مستلقي على فراشه بينما قطع سيل الأفكار صوت أمه وهي تقول في إشفاق :
-
هل تعاني من مرض ما يا ولدي ؟
بدا صوته وكأنه آتٍ من زمن ما قبل التاريخ , وهو يقول :
-
لا يا أمي .
-
إذاً لماذا أراك مهموماً ؟
-
لا شيء .
أنصرفتْ الأم بعد ان ألقتْ نظرة عتاب طويلة على ولدها الذي يكذب عليها ..
إنه يبدو لها بريق الأمل بعد أنْ كاد يذوي بعد موت زوجها .. ذلك الرجل المثالي .. أبو عماد ..
لقد مضى على موته سنوات طويلة , وعماد يبلغ من العمر سبع سنوات ..
لكنها لم تدرِ لِمـا استحضرت كل تلك السنوات القاتمة في لحظة واحدة ..
فسالتْ دموعها في غزارة .. وهي تغلق باب الغرفة خلفها .
وفي خاطرها..
ألف سؤال ..
وسؤال ...
؟؟!
************************************************

(3)

كم كانتْ فرحته عظيمة , وهو يصعد درجات سلم منزله بسرعة فائقة , ويدلف إلى الداخل كالمجنون وهو يصيح :
-
أين أنتِ يا أمي ؟
أخذتْ المفاجأة الأم كل ما مأخذ وهي تتطلع إلى ولدها عماد وتقول في دهشة بالغة :
-
عماد !
أحتضن أمه في حرارة عميقة وهو يهتف :
-
لقد نجحتُ يا أمي وحصلتُ على ما أتمنى .
أمطرته أمه بالقبلات الحنونة , وهو يردف :
-
سأدخل كلية الطب يا أمي .
-
مبروك عليك يا ولدي أسعد الله أيامك .
وبعد أيام مضتْ كسرعة البرق كان عماد ينضم لكلية الطب وكانت فرحته هذه المرة لا توازي فرحة تفوقه من الثانوية العامة ..
وهنا فقط رنت في عقله كلمات صديقه مروان , وردد صداها قلبه ..
نعم يجب أن يتقدم اليوم لخطبة فتاة أحلامه ..
وفعلاً قرر ذلك في حزم ودون تردد ونفذ ما أقدم عليه ..
وكان يأمل أن ...
يبتسـم له القَـدَرْ .
************************************************

(4)

كان يطرق باب منزل أسرتها في خجل , وكم أزداد خجله وأخوها صديقه القديم صادق يفتح له الباب وتصافحا بحرارة ثم ما لبث أن دعاه إلى الدخول وهو يقول في مرح .. يمازحه :
-
يا أخي لقد كنتَ هنا في الأمس .. وإذا بكَ تأتي اليوم .. هل نسيتَ شيئاً عندنا ؟ !
علتْ حمرة الخجل وجه عماد وهو يقول في تلعثم :
-
الحقيقة لقد كنتُ ....
قاطعه صادق ضاحكاً وهو يقول :
-
لا عليك فأنت لا تفعل حراماً .. ألم نعقد لكَ عليها بالأمس ؟
-
نعم ولكن أحببتُ أنْ أزوركم قبل أنْ أسافر ..
-
أعلم ذلك ..
ثم استمر في حديثه وهو يغمز بإحدى عينيه :
-
هل تريد أن تراها ؟ لا تنكر ذلك فلا يوجد اليوم أحد في البيت سواي وهالة .. أم أنك تريد أن تتخلص مني أنا الآخر ؟ .. لا عليك سأذهب إلى غرفتي لبعض شأني .
كان عماد يفرك يديه في عصبية واضحة ودماء الخجل تكاد تقطر من جبينه ولكنه رغم ذلك أستجمع كل قواه ليقول :
-
صادق بالله عليك لا تحرجني أكثر .
لم يجاوبه صادق بكلمة وإنما أطلق ضحكة عالية وهو يربت على كتفيه في ود قائلاً :
-
سأدعوها الآن .
قالها ثم أنصرف ..
************************************************

(5)

أبتسمتْ في حياء وهي تقدم له كوباً من الشاي ثم جلستْ قبالته في خجل واضح ..
وتلاقتْ العينان في صمت جميل تبادلا خلالها مكنونات الأنفس وخفقات القلوب .. وبعد طول صمت نطقها في إستحياء :
-
كيف حالكِ ؟
لم تجاوبه وإنما أبتسمتْ في حياء وقد تخضبتْ وجنتاها بلون وردي جميل فزادها فتنة على فتنتها ..
لقد كانت الجمال بعينه والفتنة نفسها متجسدة في هذه الفتاة التي تضج حيوية ورقة .. كانت عيناها الصافيتان أعذب همسة حب وأجمل لوحة حب ..
لقد كانت البلسم الشافي لأحزانه التي طوتها هذه الفتاة الجميلة الفاتنة ..
كانت هذه اللحظات هي أمتع لحظات يعيشها عماد بجوار الفتاة التي وهبها قلبه .. ولكنه شعر أن حديث العيون بدأ يطول فاأحب أن يترك للسان قليلاً من الحديث ..
ولكنه هذا هو الحب ..
فحين تضج المشاعر وتلتهب الأحاسيس وتتأجج العواطف ...
لا يبقى الحديث سوى للعيون وهكذا كان ..
قالت والإبتسامة المشرقة تعانق شفتيها الجميلتين :
-
عماد هل حقاً ستسافر غداً للدراسة في الخارج ؟
أجابها وهو ما زال يتطلع إلى جمالها كالمأخوذ :
-
ولكني سأعود إليكِ وسأكمل الدراسة وأنتِ إلى جواري يا حبيبتي .
أطرقت بوجهها إلى الأرض وشعرها الأسود الفاحم منسدلاً على ظهرها فزادها فتنة وروعة شدة ذلك التضاد .
-
سمعتُ عنكَ قبل أن أعرفك .. والغريب أن اسمك داعب خاطري من قبل ..
أبتسم في رقة وهو يمسك كتفيها قائلاً :
-
كلانا يشترك في هذه النقطة .. فكم تمنيتُ هذا اليوم يا هالة .
-
أتحبني إلى أي درجة ؟
-
أحبكِ أكثر من نفسي يا فاتنتي الجميلة .
حاولتْ أن تتصنع الدهشة وهي ترفع حاجبيها قائلة :
-
أكثر من نفسك ؟
-
نعم ..
أرختْ أهدابها الطويلة إلى الأرض وهي تتمتم في خفوتْ :
-
كلانا يشتركْ في هذه النقطة ..
أدار وجهها إليه وهو يقول وإبتسامته ما زالت تعانق شفتيه :
-
يا إلهي .. أنتِ تسرقين عبارتي ! .. وهذا ليس من حقكِ ..
ضحكتْ في رقة وهي تقول :
-
ليستْ سرقة يا دكتور .. ألم تقل أنها عبارتكْ ؟ .. إذاً كيف يسرق المرءُ نفسَه ؟ أليس كذلك ؟
شمله الإعجاب بها من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه وهو يقول في دهشة :
-
يا إلهي .. أتعلمين أني أكتشفتُ الآن أروع صفة فيكِ ؟
همستْ في دلال :
-
ما هي أيها العبقري ؟
قال وهو يتحسس شعرها الناعم الطويل في لهفة وشوق :
-
إنها اللباقة .
شعرتْ بإحساس من نوع عجيب .. نعم إنه الرجل الذي تتمناه من زمان .. إنه فارس أحلامها ..
كم يعجبها محاصرته لها بأساليبه الأخاذة .. هذه هي الحياة التي تريدها .. حياة الحب ..
أين أنتم يا اصحاب الأموال والأراضي والعقارات من هذه الحياة ؟ !
وفي تلك اللحظات حين تنساب العواطف وتخترق كلمات الحب شغاف القلوب وتحيل ظلماته إلى نور ..
تشرق الأنفس ببريق المحبة والضياء فتنعكس على الوجوه كمرآة عاكسة ..
ويتركز البريق على العيون فتتحدث بلا لسان أو ترجمان ..
إنها تتحدث بلغة الحب .. ولغة الحب لا يفهمها إلا أهل الحب ..
وحين تفصحُ العينان بمكنون الصدر تنفرج أسارير النفس .. وبذلك تشرق المحبة على الشفاة ..
وهكذا كانت هالة .. إنها لم تكن تستطع أن تخفي إبتسامتها التي أشرقتْ على وجهها , وهي تقول :
-
كم أحبكَ يا دكتور .
-
تضايقني منكِ لفظة دكتور .
قالتْ وإبتسامتها ما زالت تعانق شفتيها :
-
كم أحبكَ يا عماد .
هز رأسه وهو يقول :
-
دكتور ! .. عماد !.. أريد أنْ تناديني بلفظ آخر .. لفظ جميل يكبل النفس بقيوده القاهرة .. ويرحل بها إلى دنيا الأحلام السعيدة .. إنه لفظ يزيد الحياة بهجة وسروراً .
-
أفهمُ قصدكَ يا عمادْ .
رحلتْ عيناه في تقاسيم وجهها الجميل في تأمل عميق صامت .. ثم قال في هدوء :
-
سأشتاق إليكِ كثيراً يا حبيبتي .
رمقته بنظرة حملتْ فيها كل أشواقها وحبها وهي تقول :
-
سيؤلمني البعد والفراق .
-
ولكني سأعود إليكِ وآخذكِ معي إلى آخر الدنيا .
-
وسأنتظرُ عودتكَ رغم الألم والعذاب .
أشرق وجهه من تلك الإبتسامة التي تراقصتْ على شفتيه وهو يقول :
-
بوجودكِ في حياتي صارتْ الحياة جميلة .
همستْ في خفوتٍ شديد ودماء الخجل ترسم على وجنتيها لوحة فاتنة :
-
وأنتَ كذلك يا حبيبي .
أحتضنها بقوة وهو يمرر يده على شعرها الفاحم وعيناه تسبح في تقاسيم وجهها .. وقد أطبقتْ عينيها وهي تهمس كالصمت :
-
سيرانا صادق.
-
ألستِ زوجتي ؟
-
بلى ولكن !...
لم يجاوبها هذه المرة وإنما طبع على خدها المورد بحمرة الخجل قبلة حارة حملها حبه وأشواقه وأحلامه وهو يقول :
-
أحبكِ يا حبيبتي الفاتنة وسأفديكِ بروحي على مدى الأزمان .
أحاطتْ عنقه بذراعيها وهي تقول :
-
سأجعلكَ أسعد مَنْ في الوجود .. سأمنحكَ الحب والعطف والحنانْ .. سأغمركَ بأشواقي التي ليستْ تموت ..
وهنا ..
أمطرتْ سماءُ الحب الخالد ..
وأنبتتْ في أرض الشوق ..
فأثمرتْ الآمال ونضجتْ الأحلام ..
ورفرفتْ طيورُ الحب على قلبين في دنيا كلها أمل ..
ولا غرابة في ذلك ...
إنها ..
إبتسـامةُ القَـدَرْ .

0 التعليقات: